سياسة

سيكولوجيا السلطة المتوحشة: من القربان إلى إبستين

"قراءة نفسية في التوحش وصمت الشعوب"

زاهر ملاعب*

من يتابع مجرى الأحداث العالمية، ويصغي إلى خطاب دونالد ترمب المتعجرف، الفجّ، والخالي من أي قلق أخلاقي، لا يُفترض أن يُصاب بالصدمة ممّا تسرّب عن جزيرة إبستين!

ليس المقصود هنا دونالد ترمب بصفته رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، بل بوصفه رمزاً لمنظومة أوسع، لتكتل عابر للقارات، يمتلك سلطة مالية وعسكرية وسياسية وإعلامية و تكنولوجية شبه مطلقة، ويتعامل مع العالم بمنطق القوة المجرّدة من أي التزام أخلاقي.

الصدمة ليست في الأفعال نفسها، مهما بلغت من القذارة، بل في الوهم الجماعي بأن ما كُشف هو استثناء.

الفرق الوحيد بين فضائح اليوم وجرائم الأمس هو أننا نعيش في عصر وصول المعلومة والصورة والتسريب، عصر لا تستطيع فيه السلطة أن تُخفي كل شيء، لكنها لا تزال قادرة على تطبيع كل شيء.

من يتأمل خطاب ترمب تجاه فنزويلا مثلاً أو غرينلاند، أو طريقة تعامل الإدارات الأميركية مع شخصيات وجماعات ارتكبت أسوأ الجرائم بحق النساء والأطفال والإنسانية جمعاء، يدرك أن الأخلاق في السياسة ليست معياراً بل أداة. جماعات أُعلِنت عليها الحروب باسم القيم، ثم جرى لاحقاً تسليمها السلطة أو شرعنتها أو التعامل معها كأمر واقع.

ليس تفصيلاً عابراً أن يقول ترمب نفسه، خلال مناظرته الرئاسية مع هيلاري كلينتون عام 2016، إن تنظيم داعش هو “اختراع” الإدارة الأميركية السابقة. سواء اعترف بذلك بدافع الشعبوية أو الصراحة، فالمعنى أعمق وأخطر: أكثر التنظيمات دموية في القرن الحادي والعشرين لم تنشأ خارج منطق الإمبراطوريات، بل داخل هندسة منظومة القوة ذاتها.

وفي اللحظة ذاتها، ارتُكِبَتْ ولا تزال تُرْتَكَب إبادة بحق أطفال غزة (أكثر من 25000 الف طفل في أقل من سنتين). إبادة لم تعد توصيفاً إعلامياً، بل توصيفاً قانونياً تتداوله أعلى المراجع الدولية، وتناقشه محاكم وهيئات أُمميّة، وتستند إليه مواقف قضائية أوروبية.

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بات مطلوباً بموجب مذكرات توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، ما يجعله عرضة للاعتقال في أكثر من 120 دولة موقّعة على نظام روما الأساسي. هذه ليست لغة شعارات، بل وقائع قانونية قائمة. من هنا، لا يعود السؤال: لماذا صُدمنا بما كُشف عن إبستين؟ بل لماذا توقّعنا غير ذلك أصلاً؟

 

هذا هو السبب الأول لعدم التفاجؤ. العالم لم يصبح أكثر وحشية، بل أكثر انكشافاً. النخب التي تحكم، سواء ارتدت ثوب الديمقراطية أو الدين أو محاربة الإرهاب أو الدفاع عن القيم، لا تزال تتحرك ضمن منطق واحد: السلطة فوق المساءلة، الإنسان أداة، والطفل الحلقة الأضعف دائماً.

 

أما السبب الثاني لعدم التفاجؤ، فيكمن في مطالعة تاريخية لمسار الإمبراطوريات، حيث يتضح أن ما نراه اليوم ليس شذوذاً، بل استمراراً. منذ اللحظة التي مُنح فيها الحاكم صفة تتجاوز البشر، بدأت السردية الحقيقية. في الإمبراطوريات القديمة، حين صار الحاكم “إلهاً”، لم يعد حتى الجسد الإنساني ملك صاحبه، ليس فقط بقدرته على الإنتاج كعمل، بل أيضا قرباناً على مذبح القوة و المتعة. تقديم القربان لم يكن فعلاً رمزياً، بل سياسة حكم. الاغتصاب، التنكيل الجنسي بالأطفال والقاصرات، الإذلال المتعمّد، لم تكن انحرافات شخصية، بل أدوات غير معلنة لترسيخ السيطرة وكسر الإرادة. حين يكون الحاكم فوق البشر، يصبح الجسد مادة خام للمتعة والترهيب معاً.

ومع سقوط الإمبراطوريات القديمة، لم تسقط الفكرة. تغيّر القناع فقط. في العصور الوسطى المسيحية، انتقلت القداسة من الإمبراطور إلى الكنيسة والملك. صار الحكم حقاً إلهياً، وصار الاعتراض خطيئة. في تلك المرحلة، تداخل الإيمان مع العنف، وتحولت مؤسسات مغلقة إلى فضاءات يُمارَس فيها القمع باسم الخلاص. الأطفال والقاصرات لم يكونوا ضحايا عابرين، بل جزءاً من نظام صمت طويل، حيث تُغطّى الانتهاكات بلغة الطهارة، ويُعاد تعريف الاغتصاب كسرّ، وتُبرَّر تجارة الرق كضرورة تاريخية أو دينية.

ومع دخول العصر الحديث، لم يختفِ هذا النمط، بل عاد بأسماء جديدة. في لحظات التطرف الديني، تحوّل تقديم القربان إلى مشروع حكم كامل. مع تنظيم داعش مثلا، لم تكن تجارة الرق والنساء، ولا اغتصاب الأطفال والقاصرات، ولا التنكيل الجنسي، نتائج فوضى حرب، بل عناصر مقوننة داخل بنية أيديولوجية أعلنت بوضوح أن الجسد غنيمة، وأن الإنسان بحد ذاته سلعة (مثله مثل النظام الذي يدعي محاربته والذي تحالف معه مؤخرا) ، وأن الإرهاب هو اللغة الرسمية للسلطة.

 

وفي السياق السوري على سبيل المثال لا الحصر، لا يمكن فصل هذه السردية عن جبهة النصرة، ولا عن زعيمها أبو محمد الجولاني “أحمد الشرع حاليا”. تنظيم إرهابي نشأ في أحضان العنف العابر للحدود، مارس الخطف والقتل والتنكيل و الإغتصاب والانتهاكات بحق المدنيين، واستُخدم فيه الجسد، بما في ذلك أجساد الأطفال و النساء و القاصرات، كوسيلة إخضاع وكعملة رسمية في اقتصاد مشروعهم السياسي. وما يثير القلق أن هذه الجماعات، بعد أن ارتكبت أفظع الجرائم، وجدت طريقها لاحقاً إلى مشهد سياسي يبحث عن شرعنة الأمر الواقع، فيما بقي الضحايا خارج الصورة.

بالإضافة إلى ما جرى في السويداء والساحل، لم يكن حادثاً معزولاً، بل انتهاكات جسيمة موثقة بحق المدنيين، استُخدم فيها القتل والخطف والترهيب لكسر مجتمع كامل وبث الخوف وإخضاعه.

ولا يختلف هذا المسار عمّا تعرّض له الإيزيديون في العراق، حيث جرى توثيق القتل الجماعي والاغتصاب والاستعباد الممنهج بحق النساء والأطفال، والاعتراف به رسمياً كجريمة إبادة جماعية في تقارير أممية وقرارات قضائية وطنية ودولية. وتشير هذه الوثائق إلى مقتل أكثر من خمسة آلاف إيزيدي، واختطاف واستعباد أكثر من ستة آلاف امرأة وطفل. هنا لم يكن العنف فوضوياً، بل سياسة مقصودة.

لفهم لماذا يلجأ أصحاب السلطة المطلقة إلى ممارسات سادية، مفرطة في الإجرام، وموجّهة تحديداً ضد الأطفال والقاصرات، لا يكفي التفسير الأخلاقي أو السياسي. فعلم النفس يقدّم إجابة واضحة. ما يحدث ليس خللاً عابراً في السلوك، بل تفككاً منظّماً في البنية النفسية للإنسان حين تُرفع عنه كل الحدود.

رأي علم النفس

في علم النفس التحليلي، يُعرَّف الذهان أو ما يُسمّى شعبياً “الجنون” تعريفاً مبسّطاً على أنه حالة يغيب فيها الأنا الأعلى، أي ذلك الجزء من البنية النفسية الذي يمثل الضمير والسلطة الرقابية الداخلية. هذا التعريف لا يكفي وحده للتشخيص السريري، إذ إن الذهان حالة أعقد لها معايير محددة كفقدان الاتصال بالواقع أو الضلالات و الهلوسات. لكن ما يحدث لدى أصحاب السلطة المطلقة ليس ذهاناً بالمعنى الإكلينيكي، بل حالة أخطر: تفكك أخلاقي كامل مع احتفاظ كامل بالوعي والقدرة على التخطيط. نحن أمام شخص منظم، واعٍ، يحسب خطواته، لكنه متحرر من أي كبح داخلي. وهذا أخطر من الذهان، لأن صاحبه لا يهذي، بل يقرّر.

 

في هذه الحالة تتحرر الغرائز المرتبطة بالهيمنة والإخضاع. هنا يصبح الطفل أو القاصر، الهدف الأمثل لأنه يمثل أقصى درجات الضعف والعجز. اغتصاب الأطفال والقاصرات، التنكيل الجنسي، وتقديم الجسد كقربان، ليست بحثاً عن متعة فقط، بل محاولة لتعويض فراغ داخلي عبر السيطرة المطلقة على الأضعف. وهذا بحد ذاته يكشف جبن الجلاد وضعفه البنيوي فيحصل تثبيت مطلق للسيطرة وكسر الآخر بلا مقاومة.

المدرسة السلوكية تفسر المسار ذاته من زاوية أخرى. السلوك الذي لا يُعاقَب، ولا يجابه بمقاومة، بل يُقابَل بالصمت أو التبرير أو الحماية، يتعزز ويتصاعد. الحاكم الذي يرتكب الجرائم ثم لا يُحاسَب ولا يُواجه يتلقى رسالة نفسية واضحة بأن ما يفعله مسموح. ومع الوقت يحتاج إلى مستويات أعلى من العنف ليشعر بنفس الإحساس بالقوة، فتتحول الجريمة إلى نمط مفتوح الآفاق ثم إلى إدمان سلطوي.

 

يبقى السؤال الأساس: لماذا تصمت الشعوب؟

الصمت هنا ليس جهلاً ولا غباءً، بل استجابة نفسية جماعية. غوستاف لوبون، في كتابه سيكولوجية الجماهير، يشرح كيف يفقد الفرد داخل الحشد قدرته على التفكير النقدي، ويستبدلها بالعدوى العاطفية والخوف. الصمت يصبح سلوكاً جماعياً يوفّر وهماً بالأمان. ما دام الجميع صامتين، فالصمت هو الخيار الصحيح.

إدوارد برنايز، مهندس الدعاية الحديثة، يكمل الصورة. الجماهير لا تُقمع فقط، بل تُدار. عبر الإلهاء، الضجيج، وتعدد الأزمات، تُستنزف الطاقة النفسية للناس، فيصبح الصمت خياراً أقل كلفة من المواجهة. أما ابن خلدون، فقد سبق الجميع حين وصف كيف يفسد القهر الطويل النفوس، ويحوّل الناس من مطالبين بالعدل إلى باحثين عن النجاة. مع الزمن، لا يعود الصمت رد فعل، بل ثقافة، وطبيعة ثانية.

*****

في المحصلة النهائية، الحقيقة الأكثر قسوة ليست في وجود طغاة مثل ترمب وأشباهه، بل في وجود من لا يزال يرى في هذه الحثالة صورة للخلاص! من يصفّق للجلاد! أو يدافع عنه! أو يقاتل لأجله! لا يفعل ذلك لأنه قوي، بل لأنه نتاج بيئة مكسورة ومجتمع فشل في إنتاج معنى للكرامة.

في بلد مثل لبنان، يصبح المشهد أكثر فداحة. فالناس لا يكتفون بانتخاب من يدمّرهم، بل يبرّرون له، ويحمونه، ويقاتلون دفاعاً عنه. هذا الاختيار الطوعي للجلاد يشكّل أحد الأسباب الجوهرية لوصولنا إلى الدرك الأسفل في معايير التقدّم السياسي والاجتماعي.

المقاومة هنا ليست محصورة بالقوة العسكرية أو الاستعداد الأمني، بل تبدأ على الأقل بالوعي، وبالتمييز، وبإدراك أن ما يجري سيبقى قدراً ما دام الاستسلام، والتعاطف مع الجلاد، و”عبادة الرجل الأبيض”، هي ما يحكم عقولنا. تبدأ بإدراك أن هذه الوحوش البشرية لم ولن تستثني أحداً، وبفهم أن توحّشها ليس دليلاً على قوة، بل على جبنٍ عميق وضعفٍ بنيوي. لا أدعو إلى الندية المطلقة معهم، لكن الاستسلام الكامل لهم، واعتبارهم قدراً محتوماً، والصمت أمام جرائمهم، ليس سوى وقود إضافي يزيد من وحشيتهم.

المقاومة هنا تبدأ بالرأي، بالكلمة، بالتمييز في اوقات التعميم، في صندوق الاقتراع، بالمبادرة، بالبحث عن بدائل حقيقية، وتحمل المسؤولية، والمحاسبة. فلا خلاص بلا اعتراف، ولا تغيير بلا شجاعة.

في الفيزياء، ليس هناك شيء اسمه الظلام، بل الظلام هو انعدام النور. وكذلك الأمر في الأخلاق. ليس هناك كيان مستقل اسمه الشر، بل الشر هو انعدام الخير.

حين نفهم ذلك، ندرك أن مواجهة التوحش لا تبدأ فقط بإسقاط الطغاة، بل بإعادة إشعال النور داخل المجتمعات التي سمحت لهم أن يحكموا.

*زاهر ملاعب

أخصائي نفسي وباحث في علم النفس الإجتماعي والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى